فخر الدين الرازي
167
تفسير الرازي
متصلة بأرض العرب وخبر التواتر يفيد العلم الضروري ، والعلم الضروري جار مجرى الرؤية في القوة والجلاء والبعد عن الشبهة ، فلذلك قال : * ( ألم تر ) * بمعنى ألم تعلم . المسألة الثانية : قوله : * ( ألم تر ) * وإن كان في الظاهر خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه عام لكل من علم ذلك . والمقصود من ذكر الله تعالى حكايتهم أن يكون زجراً للكفار عن الإقامة على مثل ما أدى إلى هلاك عاد وثمود وفرعون وقومه ، وليكون بعثاً للمؤمنين على الثبات على الإيمان . أما قوله تعالى : * ( بعاد * إرم ذات العماد ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر ههنا قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين وهي عاد وثمود وقوم فرعون على سبيل الإجمال حيث قال : * ( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) * ولم يبين كيفية ذلك العذاب ، وذكر في سورة الحاقة بيان ما أبهم في هذه السورة فقال : * ( فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ) * إلى قوله * ( وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة ) * ( الحاقة : 9 ) الآية . المسألة الثانية : عاد هو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ، ثم إنهم جعلوا لفظة عاد اسماً للقبيلة كما يقال لبني هاشم هاشم ولبني تميم تميم ، ثم قالوا للمتقدمين من هذه القبيلة عاد الأولى قال تعالى : * ( وأنه أهلك عاد الأولى ) * ( النجم : 50 ) وللمتأخرين عاد الأخيرة ، وأما إرم فهو اسم لجد عاد ، وفي المراد منه في هذه الآية أقوال : أحدها : أن المتقدمين من قبيلة عاد كانوا يسمون بعاد الأولى فلذلك يسمون بإرم تسمية لهم باسم جدهم والثاني : أن إرم اسم لبلدتهم التي كانوا فيها ثم قبل تلك المدينة هي الإسكندرية وقيل دمشق والثالث : أن إرم أعلام قوم عاد كانوا يبنونها على هيئة المنارة وعلى هيئة القبور ، قال أبو الدقيش : الأروم قبور عاد ، وأنشد : بها أروم كهوادي البخت ومن الناس من طعن في قول من قال : إن إرم هي الإسكندرية أو دمشق ، قال : لأن منازل عاد كانت بين عمان إلى حضرموت وهي بلاد الرمال والأحقاف ، كما قال : * ( واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف ) * ( الأحقاف : 21 ) وأما الإسكندرية ودمشق فليستا من بلاد الرمال . المسألة الثالثة : إرم لا تنصرف قبيلة كانت أو أرضاً للتعريف والتأنيث . المسألة الرابعة : في قوله : * ( إرم ) * وجهان وذلك لأنا إن جعلناه اسم القبيلة كان قوله : * ( إرم ) * عطف بيان لعاد وإيذاناً بأنهم عاد الأولى القديمة وإن جعلناه اسم البلدة أو الأعلام كان التقدير بعاد أهل إرم ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامع ، كما في قوله : * ( واسأل القرية ) * ( يوسف : 82 ) ويدل عليه قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة . المسألة الخامسة : قرأ الحسن : * ( بعاد إرم ) * مفتوحين وقرئ : * ( بعاد إرم ) * بسكون الراء على